بقلم : محمد محمد عثمان عمر
المستشار الإعلامي والباحث في الشئون الأفريقية
مقدمة
يُعد الجعليون واحدة من أكبر القبائل في السودان، وأكثرها عراقة وتاريخاً.، واستوطنوا منطقة وسط وشمال السودان على ضفاف نهر النيل، بين الخرطوم وأبو حمد، وتُعتبر مدينة شندي عاصمتهم التاريخية، ويبلغ تعدادهم اليوم أكثر من أربعة ملايين نسمة.
اشتهر الجعليون عبر تاريخهم الطويل بالشجاعة والكرم والجود، كما كان لهم دور بارز في تاريخ السودان، سواء في عصر الممالك أو في مقاومة الاستعمار. وإلى جانب هذه الصفات، امتلك الجعليون منظومة عرفية متكاملة لفض النزاعات وإحلال السلام، كان من أبرز أدواتها “القلد” و “المصالحات”، التي شكلت على مر القرون صمام أمان للنسيج الاجتماعي في السودان
مفهوم القلد
القلد في معناه الاصطلاحي هو ميثاق وعقد أهلي (قسم غليظ) للصلح والسلام الاجتماعي، يُستخدم لوقف النزاعات والاقتتال بين القبائل والعشائر بصورة فورية، ويلزم أطراف الصراع بالهدنة وعدم تجدد القتال.
والقلد كما هو معروف في السودان، هو عهد يُوقَّع ويتفق عليه بين طرفين متنازعين، بواسطة القيادات الأهلية من نظار وعمد ومشايخ، ويُعد هدنة لمعالجة أسباب النزاع وإعطاء كل ذي حق حقه. وتتمثل أهميته في:
· وقف العدائيات والاقتتال فوراً وعمل هدنة وقسم مبدئي قبل التفاوض والصلح النهائي.
· حقن الدماء بصورة عاجلة وإلزام طرفي الصراع بوقف القتال بقسم وميثاق أهلي ملزم.
· فض النزاعات المتعلقة بالأراضي والموارد الطبيعية كالرعي والمياه.
القلد لدى الجعليين
يعتبر القلد موروث شعبي سائد بين كثير من المجتمعات السودانية، وقبيلة الجعليين من أبرز القبائل التي تعمل به وتحرص عليه.
وقد ورد في تقارير صحفية وإعلامية أن قبيلة الجعليين لعبت دوراً محورياً في التوصل إلى قلد بين أطراف متنازعة، مما ساهم في وقف الاقتتال وتهيئة الأجواء للصلح النهائي. وهذا يعكس المكانة التي يحتلها الجعليون كوسيط وقبيلة قادرة على رأب الصدع بين المتنازعين، مستندين في ذلك إلى مكانتهم الاجتماعية وتاريخهم العريق.
والقلد لدى الجعليين ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو قسم وميثاق مقدس تُحترم بنوده من قبل جميع الأطراف، ويُعد خرق القلد عاراً كبيراً يلحق بالفرد والقبيلة معاً. وهذه القدسية هي ما جعلت القلد أداة فعالة في وقف النزاعات ومنع تجددها.
المصالحات: الإطار الأوسع للصلح
إذا كان القلد يمثل الهدنة المؤقتة والقسم المبدئي، فإن المصالحات تمثل الإطار الأوسع والأشمل لعملية الصلح بين الأطراف المتنازعة. والجعليون معروفون بدورهم الريادي في المصالحات .
ولهم تجارب مختلفة نذكر منها ان أعلن مجلس شورى الجعليين عن مبادرة لرأب الصدع بين الأطراف المتنازعة في ولاية كسلا، حيث أكد رئيس المصالحات بمجلس شورى القبيلة قبول الأطراف المتقاتلة للتوسط تمهيداً للوصول إلى حل يرضي جميع المكونات. كما حظي رئيس لجنة المصالحات باستقبالات حاشدة في مناطق مختلفة، مما يدل على المكانة التي تحظى بها هذه اللجان في المجتمع.
وتشير المصادر إلى أن نظارة عموم قبيلة الجعليين، برئاسة ناظر العموم، تقوم بدور نشط في قيادة جهود المصالحات، حيث تعقد اجتماعات تشاورية موسعة بحضور شيوخ الخط والعمد لبحث سبل إنهاء النزاعات. وقد تم بوساطة كريمة من وفد قبيلة الجعليين إتمام صلح بين قبيلتي الرشايدة والبشاريين، ونزع فتيل الأزمة في منطقة الرتج.
كما شهدت منطقة أبو دليق بشرق النيل توافد المئات من أبناء قبيلة الجعليين في موكب مهيب لطلب العفو وتقديم العزاء في أحد أبناء البطاحين قُتل في شندي، في مشهد يعكس عمق التلاحم الاجتماعي وقدرة الجعليين على تجاوز الخلافات بالعفو والمصالحة.
الخاتمة
يمثل القلد والمصالحات لدى الجعليين نموذجاً فريداً للعدالة العرفية التي استطاعت عبر القرون أن تحافظ على تماسك النسيج الاجتماعي في مناطق انتشار القبيلة. فالقلد، بوصفه عهداً وميثاقاً مقدساً، يوفر آلية سريعة لوقف إراقة الدماء، بينما تتيح المصالحات، من خلال مؤسسات قبلية الجعليين، إطاراً شاملاً لمعالجة جذور النزاعات وإعادة بناء الثقة بين الأطراف.
وما يميز تجربة الجعليين في هذا المجال هو الجمع بين الأصالة والمعاصرة، إذ حافظت القبيلة على تراثها العرفي مع تطوير آليات مؤسسية (كمجلس الشورى ولجان المصالحات) تتناسب مع تعقيدات العصر. وهذا ما جعل الجعليين، عبر تاريخهم الطويل، ليسوا فقط قبيلة عريقة في النسب والمكانة، بل أيضاً حراساً للسلام الاجتماعي في ربوع السودان.

